اسماعيل بن محمد القونوي
255
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
يحب من ظلم بالتعدي في الانتصار فإنه قلما يخلو عن التعدي فهو كالسموم يهلك المتعاطي ولو لم يقصده والتعدي سهوا وخطأ وإن كان معفوا لكنه ذنب يجب الاحتراز مهما أمكن وبهذا البيان ظهر أن الختام به أحسن من الختم بقوله : إنه يحب المحسنين أو العافين قوله بعد ما ظلم بصيغة المجهول فالمصدر مضاف إلى المفعول ولمن انتصر معطوف على من عفى وصدر باللام لأنه مظنة الإثم كما أوضحناه آنفا قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [ الشورى : 40 ] اعتراض لفائدة ذكرناها قيل قوله فمن عفى اعتراض فلا يأباه الفاء كما صرح به النحاة فلا اعتراض « 1 » عليه فاعلم فعلم المرء ينفعه انتهى ولا كلام في كون الاعتراض بالفاء كما كان بالواو لكن كونه اعتراضا غير ظاهر فتأمل قوله بالمعاتبة الخ إذا كان الانتصار بدون تعدي كما يدل عليه قوله إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ [ الشورى : 42 ] الآية قوله يبتدئونهم الخ التعرض له لما مر من عموم مفهومه وإلا فالمناسب يريدون في الانتقام ارتباطا لما قبله قوله أو يطلبون الخ أي يريدون في الانتقام قوله على ظلمهم إشارة إلى الأول وبعينهم إلى الثاني لف نشر مرتب وهذا مأخوذ من تعليقه على اسم الإشارة وأشار إلى أن أولئك لهم إشارة إلى الموصول بصلته والبغي أعم هنا من الظلم على الناس قوله بغير الحق احتراز عن مثل مقابلة الظالم المتعدي فإنه في صورة البغي لكنه بحق وكذا البغي المتضمن صلاحا راجحا كقتل الخضر الغلام وخرق السفينة . قوله تعالى : [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 43 ] وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) قوله : ( ولمن صبر على الأذى ) صدر باللام لأنه مظنة لعدم الوقوع . قوله : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشورى : 40 ] اعتراضا لكن الفاء في فمن عفى يمنعه قال الطيبي ويمكن أن يقال إن المجازى لما نسب إلى المساءة في قوله : جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] كما تقرر والمسئ في هذا المقام مفسد لما في البين بدليل قوله : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشورى : 40 ] وهو كما قال عدة مبهمة ومن اشتغل بالمجازاة وانتسب إلى السيئة وأفسد ما في البين وحرم على نفسه ذلك الأجر الجزيل بل كان ظالما على نفسه إنه لا يحب الظالمين وقريب منه قوله تعالى : وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ الروم : 44 - 45 ] قال الزمخشري في تفسيره وتكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح وقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ الشورى : 45 ] تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس ويمكن أن يحمل كلامه هنا على هذا المعنى قوله من بعد ما ظلم لفظ ظلم على صيغة المبني للمفعول أي من بعد كونه مظلوما فالإضافة في ظلمه من إضافة المصدر إلى المفعول قوله وقد قرىء به أي قرىء من بعد ما ظلم بدل من ظلمه .
--> ( 1 ) دفع لما تضمنه السابق من إشعار سد باب الانتصار كذا قيل ولا إشعار به ما سبق ولو سلم ذلك فلا يقاوم صريح بيان باب الانتصار فهو لدفع المعاتبة نصا بعد الإشعار ضمنا .